كوركيس عواد

384

الذخائر الشرقية

الأماكن والمنازل في الجزيرة العربية ، وأكثرها ضائع في وقتنا . ولم يكتف في النقل من الكتب الجغرافية ، بل تعداها إلى غيرها من التصانيف وإلى ما شاهده بنفسه في رحلاته الطويلة . قال : « ثم نقلت من دواوين العرب والمحدثين وتواريخ أهل الأدب والمحدثين ، ومن أفواه الرواة وتفاريق الكتب . وما شاهدته في أسفاري وحصلته في تطوافي أضعاف ذلك » . على أن من الصعوبة بمكان ، التمييز بين ما نقله ياقوت من هذه المراجع المختلفة ، وبين ما وقف عليه بالذات في رحلاته التي أكسبته خبرة واطلاعا على المواطن التي رآها . فإنه قد نوه في بعض الأحوال بالمراجع التي نقل منها ، وأغفل ذكرها في أحوال أخرى . على أن في ما نقله عن غيره ثروة أدبية كبيرة . فلقد حفظ لنا بين دفتي معجمه نصوصا ثمينة ضاعت أصولها التي استقى منها . كالذي نقله من رحلة أبي دلف مسعر بن مهلهل . فإن رحلة أبي دلف إلى بلاد الهند والصين قد ضاعت . ولكن ياقوتا أبقى لنا في معجمه ملامح منها . ومما سهل لياقوت وضع معجمه البلداني ويسر له إنجازه بهذا الوجه ، توفر المراجع المختلفة بين يديه . فقد اطلع على شيء كثير منها ، على ما أسلفنا . قال في كلامه على مدينة مرو : « أقمت بها ثلاثة أعوام . ولولا ما عرا من ورود التتر إلى تلك البلاد وخرابها ، لما فارقتها إلى الممات ، لما في أهلها من الرفد ولين الجانب وحسن العشرة وكثرة كتب الأصول المتقنة بها . فإني فارقتها وفيها عشر خزائن كتب ، لم أر في الدنيا مثلها كثرة وجودة . منها : خزانتان في الجامع ، إحداهما يقال لها العزيزية ، وقفها رجل يقال له عزيز الدين أبو بكر ، وكان فيها اثنا عشر ألف مجلدا أو ما يقاربها . والأخرى يقال لها الكمالية لا أدري إلى من تنسب . وبها - أي بمرو - خزانة شرف الملك المستوفى ، وخزانة نظام الملك ، وخزانتان للسمعانيين ، وخزانة أخرى في المدرسة العميدية ، وخزانة لمجد الملك أحد الوزراء المتأخرين بها ، والخزائن الخاتونية ، والضميرية » . قال : « وكانت كتب هذه الخزائن سهلة التناول ، لا يفارق منزلي منها مائتا مجلد وأكثر بغير رهن ، تكون قيمتها مائتي دينار . فكنت أرتع فيها وأقتبس من فوائدها . وأنساني حبها كل بلد ، وألهاني عن الأهل والولد . وأكثر فوائد هذا الكتاب وغيره مما جمعته ، فهو من تلك الخزائن . ولم يكن ياقوت الحموي ، وهو ذلك الأديب الألمعي ، يفوته إيراد النكات